الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
37
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتسويل : التسهيل وتزيين النفس ما تحرص على حصوله . والإبهام الذي في كلمة أَمْراً يحتمل عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف - عليه السّلام - : من قتل ، أو بيع ، أو تغريب ، لأنه لم يعلم تعيين ما فعلوه . وتنكير أَمْراً للتهويل . وفرّع على ذلك إنشاء التصبر فَصَبْرٌ جَمِيلٌ نائب مناب اصبر صبرا جميلا . عدل به عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات والدوام ، كما تقدم عند قوله تعالى : قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ في سورة هود [ 69 ] . ويكون ذلك اعتراضا في أثناء خطاب أبنائه ، أو يكون تقدير : اصبر صبرا جميلا ، على أنه خطاب لنفسه . ويجوز أن يكون فَصَبْرٌ جَمِيلٌ خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه السياق ، أي فأمري صبر . أو مبتدأ خبره محذوف كذلك . والمعنى على الإنشاء أوقع ، وتقدم الصبر عند قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ في سورة البقرة [ 45 ] . ووصف جَمِيلٌ يحتمل أن يكون وصفا كاشفا إذ الصبر كله حسن دون الجزع . كما قال إبراهيم بن كنيف النبهاني : تصبّر فإنّ الصبر بالحرّ أجمل * وليس على ريب الزمان معوّل أي أجمل من الجزع . ويحتمل أن يكون وصفا مخصصا . وقد فسّر الصبر الجميل بالذي لا يخالطه جزع . والجمال : حسن الشيء في صفات محاسن صنفه ، فجمال الصبر أحسن أحواله ، وهو أن لا يقارنه شيء يقلل خصائص ماهيته . و في الحديث الصحيح أن النبي عليه السّلام مر بامرأة تبكي عند قبر فقال لها : « اتقي اللّه واصبري » ، فقالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي - ولم تعرفه - فلما انصرف مرّ بها رجل ، فقال لها : إنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فأتت باب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : لم أعرفك يا رسول اللّه ، فقال : « إنما الصبر عند الصدمة الأولى » أي الصبر الكامل . وقوله : وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ عطف على جملة فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فتكون محتملة للمعنيين المذكورين من إنشاء الاستعانة أو الإخبار بحصول استعانته باللّه على تحمل الصبر على ذلك ، أو أراد الاستعانة باللّه ليوسف - عليه السّلام - على الخلاص مما أحاط به .